الشيخ السبحاني

137

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

جانبهم ، لم يوجّه إلى الكليم من جانبه سبحانه أي لوم وعتاب أو مؤاخذة وعذاب ، بل اكتفى تعالى بقوله : لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي . فلا يكون السؤال دليلا على إمكان الرؤية وبعبارة أخرى : إنّ موسى كان من أعلم الناس باللّه وصفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز ، ولكن ما كان طلب الرؤية إلا لتبكيت هؤلاء الذين دعاهم « سفهاء » وتبرأ من فعلهم . فبما أنهم لجّوا وتمادوا وقالوا بأنهم لا يؤمنون له حتى يسمعوا النص من عند اللّه باستحالة ذلك ، وهو قوله : لَنْ تَرانِي فطلب موسى الرؤية ليتيقنوا ويزول ما دخلهم من الشبهة ، فلأجل ذلك قال : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ولم يقل ربّ أرهم ينظروا إليك . والعجب أنّ الآية على خلاف مطلوب الأشاعرة أدلّ ، فإنه سبحانه رد طلب الكليم بقوله : « لن تراني » و « لن » للتأبيد ، كقوله : لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ « 1 » . وهاهنا نكتة ينبغي التنبيه عليها وهي أنّ الميقات الوارد في قوله تعالى : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ « 2 » ، نفس الميقات الوارد في قوله سبحانه : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا « 3 » . ولم يكن لموسى مع قومه إلا ميقات واحد وقد وقعت الحادثتان فيه في ظرف واحد ، غير أن سؤال قومه رؤية اللّه كان قبل سؤال موسى الرؤية لنفسه . الوجه الثّاني إنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل ، وهو أمر ممكن في نفسه ، والمعلّق على الممكن ، ممكن .

--> ( 1 ) سورة الحج : الآية 73 . ( 2 ) سورة الأعراف : الآية 143 . ( 3 ) سورة الأعراف : الآية 155 .